هل تصبح “فلاش فالكون” أول طائرة ركاب تعمل بالطاقة النووية؟

FF-Flash-Falcon-Supersonic-concept-12.jpg

وضع أحد مصممي الطائرات تصوراً لطائرة ركاب تطير بسرعة تعادل ثلاثة أمثال سرعة الصوت، وتعمل بالطاقة الناجمة عن تفاعلات الاندماج النووي. يستعرض الصحفي ستيفن داولنغ التحديات أمام تصنيع طائرات ركاب تعمل بالطاقة النووية.

هل تتصور إمكانية الانتقال بسرعة خاطفة من قلب مطار هيثرو بالعاصمة البريطانية لندن إلى الجسر النقال الذي يقلك خارج طائرتك بمطار “جون إف كينيدي” بنيويورك، خلال ثلاث ساعات فحسب.

قد يحدث ذلك في رحلة لا تخلو من وسائل الترف والرفاهية؛ إذا ما كنت طبعاً من ركاب الدرجة الأولى، لتجد المحيط الأطلسي يمضي سريعاً تحت قدميك، والطائرة تحلق فوقه بسرعة تناهز 2300 ميل في الساعة (3680 كيلومتراً في الساعة).

ما سبق ليس إلا تصوراً لرحلة مفترضة على متن طائرة لا تزال مجرد فكرة في ذهن مصممها الإسباني أوسكار فينيالز. وأطلق الرجل على “طائرته” اسم “فلاش فالكون” (أو الصقر الخاطف) وهي تبدو أشبه بمركبة فضاء خرجت من إحدى ألعاب الفيديو التي تطورها شركة “هالو”.

ولم يتم بعد تصنيع أي نموذج تجريبي من “الطائرة” التي يمثل السعي لتصنيعها محاولة لملء الفراغ الذي نجم عن إحالة طائرة “الكونكورد” الأسرع من الصوت إلى التقاعد عام 2003.

وقد سبق وأن قدمت “بي بي سي فيوتشر” عام 2014 لمحةً عن تصميم آخر وضعه أوسكار فينيالز لطائرة ركاب عملاقة على شكل حوت.

وبحسب تصور فينيالز لـ”طائرته” الجديدة، سيكون بوسع “فلاش فالكون” أن تطير بسرعة تعادل ثلاثة أمثال سرعة الصوت، وعلى متنها 250 راكباً. وسيكون هيكلها أطول بواقع 130 قدماً (39 متراً) من “الكونكورد”، كما ستكون المسافة بين جناحيّها أعرض بمرتين من مثيلتها لدى “الكونكورد” أيضاً.

أما المحركات، فمن المفترض أن تكون قابلةً للميل لأعلى بزاوية 20 درجة، لمساعدة الطائرة على الإقلاع والهبوط مثل المروحيات.

من المفترض أن تطير هذه الطائرة العملاقة بسرعة تعادل ثلاثة أمثال سرعة الصوت وعلى متنها ما يصل إلى 250 راكباً

ولكن تصميم “فلاش فالكون” يتضمن فكرة أكثر ثورية من كل ما سبق؛ ألا وهي أنها ستطير بالطاقة النووية، عبر تزويدها بمفاعل اندماج نووي، يضخ الطاقة في محركاتها الكهربائية الستة.

ويقول المصمم الإسباني لـ”بي بي سي فيوتشر” إنه يعتقد أن “الاندماج النووي سيكون المصدر الأفضل في المستقبل للحصول على كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية. كما أنه في الوقت نفسه ‘صديقٌ للبيئة’ لا يخلف نفايات خطرة”.

ويضيف أوسكار فينيالز بالقول: “باتت لدينا اليوم فكرة شديدة الوضوح بشأن كيفية عمل تفاعل الاندماج النووي، فهناك العديد من المشروعات التي تعمل على هذا المفهوم؛ مثل توكاماك، وآتيار، وستلارايتور. أنا متفائل للغاية بأنه سيكون لدينا خلال خمس أو سبع سنوات من الآن، أول مفاعل اندماج نووي مستقر وقادر على إنتاج الطاقة”.

وبغض النظر عما إذا كانت هذه الوسيلة، التي طال انتظارها للحصول على طاقة وفيرة وقليلة التكاليف، ستصبح في المتناول قريباً أم لا؛ يحيي التصور الذي وضعه فينيالز حلماً استحوذ على أذهان مصممي الطائرات منذ خمسينيات القرن الماضي؛ ألا وهو كيفية تزويدها بمفاعل نووي يوّلد الطاقة اللازمة لتشغيل محركاتها.

فقد أدى اختراع المفاعلات التي تعمل عبر إجراء تفاعلات الانشطار النووي، إلى تمكين الإنسان من التزود بالطاقة الرخيصة عبرها، ليس فقط وهو في منزله، وإنما خلال وجوده كذلك على متن سفينة في عرض البحر.

وعندما تسنى للعلماء ابتكار مفاعلات صغيرة الحجم بالقدر الذي يمكن به استخدامها على متن قطع بحرية، دخلت هذه المفاعلات الخدمة في خمسينيات القرن العشرين. وبعد سنوات قليلة، انكمش حجم هذه المفاعلات أكثر، ليصبح بالإمكان استخدامها لتزويد الغواصات بالطاقة.

سيكون بمقدور “فلاش فالكون” الإقلاع والهبوط مثل المروحيات بفضل محركاتها القابلة للحركة

وقد شكل عقد الخمسينيات من القرن الماضي؛ أحد العصور الذهبية لتصميم الطائرات، بفضل القفزات التكنولوجية الهائلة التي شهدتها تلك الفترة، مما أدى لضخ الدماء في شرايين سوق الطيران الناشئ، وذلك خلال حقبة ما بعد الحربيّن العالميتيّن وفي أثناء الحرب الباردة.

وفي ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي – وقتذاك – بحثت واشنطن عن سبل تمكنها من أن تُبقي قاذفات قنابلها طويلة المدى، التي تعمل بالطاقة النووية، في الأجواء لأطول وقت ممكن، لتقليص مخاطر استهدافها وهي رابضة في قواعدها.

ومن الوجهة النظرية، يمكن أن تبقى المفاعلات النووية قيد التشغيل في الأجواء لشهور، دون أن تحتاج الطائرة التي تعمل بها للهبوط على الأرض، وذلك إذا ما كانت هذه الطائرة كبيرة بما يكفي لاستيعاب عدد كافٍ من أفراد الطاقم، للعمل في نوبات ليلية ونهارية دون توقف.

ولكن تزويد الطائرات بمفاعلات انشطار نووي، يثير مسائل لا يستهان بها، كما يقول سايمون وييكس من معهد تكنولوجيا الفضاء بالمملكة المتحدة.

ولا يقتصر ذلك على ضرورة أن يكون المفاعل يعمل بنظام “الحلقة المغلقة”، ما يمكنه من إعادة استخدام الوقود أكثر من مرة، بل يمتد ليشمل وجود حاجة للاستعانة بكميات كبيرة من الألواح المدرعة الثقيلة، للحيلولة دون التعرض لقدر كبير للغاية من النيوترونات، الذي يقول وييكس إنه ينجم عن عمليات الانشطار النووي.

وفي أوائل الخمسينيات، مثلت قاذفة قنابل من طراز “بي 36″، التي كانت تنتجها شركة “كونفاير”، الطائرة الوحيدة التي حلقت في أجواء دول الغرب، وهي مزودة بمفاعل نووي تستمد منه الطاقة، ولكن بعد أن أُدخلت عليها تعديلات كثيرة.

وقد أضيف إلى وزن هذه القاذفة، ذات الثقل الهائل من الأصل، 11 طناً من الألواح المدرعة الرامية لاحتواء خطر أي إشعاع. ورغم أن هذه القاذفة التي أُطلق عليها اسم “إن بي 36 إتش”، نفذت 47 طلعة جوية، فإن المفاعل الذي زُودت به لم يُستخدم قط فعلياً لإمدادها بالطاقة، بل اقتصر الأمر على اختباره فقط في الأجواء.

ولكن الآثار الكارثية التي قد تنجم عن تحطم أي طائرة تعمل بطاقة الانشطار النووي، حالت دون حدوث مزيد من جهود التطوير على هذا الصعيد.

بحث المسؤولون عن السلاح الجوي الأمريكي تعديل قاذفات القنابل من طراز “بي 36” لتُزَود بوحدة للطاقة النووية

فبينما قد يطيع أطقم الطائرات الحربية الأوامر، ويتولون تشغيل طائرات تعمل بالطاقة النووية، فإنه من العسير تصور فكرة أن يصعد ركاب عاديون – عن طيب خاطر – على متن طائرة مزودة بمفاعل نووي، سيجلسون على بعد أمتار قليلة منه خلال الرحلة.

ومن هنا؛ ظلت فكرة تصنيع طائرة ركاب تعمل بالطاقة النووية، مجرد تصور لما قد تصبح عليه حركة النقل الجوي، خلال 50 أو 100 عام من الآن.

رغم ذلك، لا يبني فينيالز تصميمه لـ”فلاش فالكون”، على أساس فكرة تزويدها بالطاقة عبر مفاعل انشطار نووي. ويقول الرجل في هذا الشأن: “من الشائع أن يسمع الناس كلمتيّ ‘طاقة نووية’ ويتصورون أنها طاقة خطيرة، ولكن ذلك ليس صحيحاً في حالة تفاعلات الاندماج النووي”.

ففي هذه التفاعلات، يتم تجميع نواتيّن ذريتيّن أو أكثر لتكوين نواة أثقل، وهو ما يوّلد مزيداً من الطاقة دون أن يخلف نفايات مُلوِثة، بعكس ما يجري في عملية الانشطار النووي؛ التي تُحْدِثُ سلسلة من التفاعلات وردود الفعل.

ولا يشعر فينيالز بالإحباط في هذا الشأن من حقيقة أن الاندماج النووي لا يزال بعيد المنال، من الناحية التكنولوجية.

فمفاهيم نظرية كتلك التي تمثلها “فلاش فالكون”، لا ينبغي أن تُقيد بسقف التكنولوجيا المتوافرة لدينا اليوم، فجزء من دور مثل هذه المفاهيم يكمن في أن تتخيل شكل التصميمات التي يمكن بلورتها اعتماداً على تقنيات لم نتغلب بعد على الصعوبات المتعلقة باستخدامها فعلياً.

على أي حال، لا يزال هناك شوطٌ يتعين قطعه، قبل أن يتسنى لنا تفعيل عمليات “الاندماج النووي”، التي يقول وييكس إنها دائما ما تبدو “على بعد 50 عاماً” من اللحظة الراهنة.

فالمفاعلات التي تعمل بهذا الأسلوب، لا تزال في مرحلتها التجريبية. وعلى سبيل المثال، لا يزال أمام مشروع “آتيار”، الذي يُقام حالياً في فرنسا، نحو 10 سنوات قبل دخول مرحلة التفعيل والتشغيل.

نفذت قاذفة القنابل المعدلة هذه، والتي حملت اسم “إن بي 36 إتش”، عشرات الطلعات لكنها لم تستخدم المحرك النووي المزودة به لتوليد الطاقة قط خلال التحليق

وحتى إذا ما أثبتت أيٌ من مفاعلات الاندماج النووي فاعليتها من الناحية العملية وقدرتها على توليد ما هو مأمول من طاقة نظيفة وقليلة التكاليف، فإن ذلك لن يشكل سوى بداية لهذه الأحجية.

فثمة تحدٍ آخر يكمن هنا – كما يقول وييكس – في جعل تلك المفاعلات صغيرة الحجم للغاية وخفيفة الوزن بشدة.

ويضيف الرجل بالقول: “في الفترة ما بين أربعينيات وثمانينيات القرن العشرين؛ شَهِدنا تطوراً كبيراً على صعيد تقنيات الانشطار النووي، وجرى ذلك بسرعة نسبية. نحن نعمل على (تقنيات) الاندماج النووي منذ الخمسينيات، ولم نبن حتى الآن مفاعلاً (مفيداً) من الوجهة العملية وقابلاً للتشغيل. لا يزال أمامنا 20 أو 30 سنة” كي يتحقق ذلك.

وبحسب سايمون وييكس؛ فإن تصميم مفاعل اندماج نووي محمول قادرٍ على توليد طاقة كافية لتشغيل طائرة أسرع من الصوت في حالة تصميم فينيالز، هو أمر أكثر صعوبة بكثير من تصنيع طائرة ركاب تطير بسرعة تعادل ثلاثة أمثال سرعة الصوت.

بجانب ذلك؛ من الصعب إيجاد بديلٍ أكثر كفاءة للكيروسين؛ كوقود لمحركات الطائرات النفاثة، إذ أن هذا النوع من الوقود متعدد الاستخدامات على نحو هائل.

فوفقا لما يقوله وييكس؛ يمثل الكيروسين “وسيطا جيدا للغاية لتوليد الطاقة. وهو غني بالطاقة كذلك، ويسهل أيضاً التعامل معه، ويعمل بكفاءة في ظل مستويات مختلفة ومتنوعة من درجات الحرارة”.

فضلا عن ذلك، يمكن استخدام الكيروسين لأغراض أخرى متنوعة وليس فقط كوقود؛ حسبما يقول وييكس، الذي يوضح أنه يمكن استخدام هذا السائل القابل للاشتعال أيضا ” كسائل للتبريد، ومادة للتشحيم والتزييت، أو حتى كسائل هيدروليكي”، وهو الوسيط الذي تنتقل عبره الطاقة في الآلات الهيدروليكية، مثل الحفارات وبعض أنواع المكابح وغيرها.

كانت القاذفة “إكس بي 70” إحدى القاذفات التي بحث المسؤولون العسكريون الأمريكيون إمكانية إجراء تجارب لتشغيلها بالطاقة النووية

وربما تشكل ظاهرة التغير المناخي سبباً ملحاً في السعي لإيجاد أنواع بديلة من الوقود اللازم لتشغيل محركات الطائرات، ولكن يتعين هنا الإقرار بحقيقة أن تشغيل طائرة واحدة تحلق بسرعة هائلة يتطلب قدراً ضخماً للغاية من الطاقة.

فالبطاريات المستخدمة لتشغيل طائرة تجريبية خفيفة مثل “سولار إمبلس”، توّلد طاقة لا تزيد على 5 في المئة من تلك التي توّلدها كمية مماثلة لها في الوزن من الكيروسين.

وهكذا، فربما يكون من الصعب للغاية تجسيد حلم تصنيع طائرة تعمل بطاقة الاندماج النووي خلال القرن المقبل. والأرجح من ذلك، وفقاً لما يقوله سايمون وييكس؛ أن يتم ابتكار ضروب من “الطاقة الهجينة”.

على سبيل المثال، تطوير جهاز دفع من شأنه المساعدة على توليد طاقة يتم تخزينها على متن الطائرة، واستخدامها للمساعدة على الإقلاع.

في النهاية، تبدو “فلاش فالكون” تصميماً أكثر طموحاً من أن يحلق في الأجواء في ظل التقنيات المتوافرة لنا حالياً. ولكن تاريخ الطيران يحفل بإنجازاتٍ عُدت يوماً ضرباً من المستحيل. وربما تنضم الطائرة التي تعمل بطاقة الاندماج النووي، في يومٍ ما، إلى قائمة هذه الإنجازات.

نقلًا عن BBC


قريبًا، العدد العاشر من مجلة الطيران للجميع

أضف تعليق، رأيك يهمنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s