رحلة طيران فريدة تنعدم فيها الجاذبية

Zero-G01

لم يعد من الضروري أن تسافر إلى الفضاء لتخوض تجربة انعدام الجاذبية وانعدام الوزن. رافقت الصحفية سو نيلسون مجموعة من العلماء في رحلة خاصة على متن طائرة تضع ركابها في ظروف انعدام الجاذبية لوقت قصير.

قبل الإقلاع، بدأ الطيار العد التنازلي، كما لو كان سيُطلق صاروخا. لكن هذه الطائرة ليست عادية، فالجميع على متنها، باستثناء طاقمها، علماء اجتازوا فحوصات طبية شاملة، منها تقييم مخاطر الإصابة بأمراض القلب، لأن هذه الرحلة لا تصلح لمن يخافون من ركوب الطائرات.

ثم أعلن الطيار أنه على وشك بدء مناورة تتمثل في رفع مقدمة الطائرة، أثناء التحليق الثابت، بزوايا حادة، تبدأ بـ 30 درجة، ثم 40 درجة، وهذه المناورة من الصعوبة بحيث يتطلب تنفيذها وجود ثلاثة طيارين في مقصورة القيادة.

وفي الجزء الأوسط من هذه الطائرة “إيرباص أيه 310″، أُزيلت جميع المقاعد، وأُغلقت النوافذ بجدران مبطنة، والجميع على متنها إما واقفا أو جالسا على الأرض.

ويرتدي بعض العلماء أغطية رأس مزودة بأقطاب كهربائية، وبعضهم يضع ذراعه داخل صناديق مفتوحه، وأكثرهم يحدق في آلات معدنية عجيبة ذات مفاتيح وشاشات. أما أنا فكنت مستلقية على الأرض ومحاطة بشبكة لعدم الاصطدام بجسد الطائرة.

كان الجميع عند هذه المرحلة ساكنا، لأنك تشعر وكأن ثقلا كبيرا يجثم على كل جزء من بدنك. لكن لحسن الحظ، هذا الشعور لم يدم إلا لثوان معدودة.Zero-G02

يشارك العلماء على متن الطائرة في تجارب عديدة

وعندما رفع الطيار مقدمة الطائرة بزاوية 50 درجة، بدأت المتعة الحقيقية. إذ اتخذت الطائرة مسارا منحنيا على شكل القطع المكافيء. وفجأة، عندما وصلت الطائرة إلى ذروة المنحنى، انخفض الضجيج، وعلا صوت المحرك، وسقطت الطائرة سقوطا حرا.

ثم زال ثقل الجسم، الذي زاد عند صعود الطائرة بفعل قوة الجاذبية التي بلغت 1.8 (G)، أي أن وزن جسمي تضاعف تقريبا. ثم شعرت أن قوى غامضة تجذبني إلى أعلى، وأنني بلا وزن أو جاذبية.

كان إحساسا رائعا، أن تكون محررا لمدة 20 ثانية. وبينما أصيب أحد الركاب في الخلف بالغثيان، كنت أطفو في الطائرة بحرية، وشعرت بسعادة غامرة.

وخاض جميع الركاب على متن الطائرة تجربة البقاء في بيئة تكاد تنعدم فيها الجاذبية، وهي نفس الظروف التي يعيش فيها رواد الفضاء في محطة الفضاء الدولية.

وتعد هذه الطائرة، التي تحمل اسم “زيرو غرافيتي” أو انعدام الجاذبية، التي تمتلكها شركة “نوفسبيس” التابعة لوكالة الفضاء الوطنية الفرنسية، آخر الطائرات التي استخدمتها وكالة الفضاء الأوروبية لإجراء تجارب علمية، وأحيانا لتدريب رواد الفضاء، في ظروف اقتراب الجاذبية من الصفر.

إذ أن الجاذبية لا تنعدم تماما في الفضاء، بل تكون ضعيفة للغاية، لأن الجاذبية توجد دائما بين أي كتلتين. ولهذا، فإن الأصح فنيا أن نصف الجاذبية في هذه التجربة بأنها تقترب من الصفر، رغم أن تعبير “انعدام الجاذبية” أكثر لفتا للانظار.

وذكر نيل ميلفيل، منسق رحلات الطيران التي تتخذ مسارا منحنيا لدى وكالة الفضاء الأوروبية، قبل الإقلاع: “نحن نُجري على متن الطائرة 12 تجربة”.

  Zero-G03
ربط بعض العلماء دمى على الأجهزة التي تستخدم في إجراء التجارب لتطفو في الهواء عند انعدام الجاذبية

وأضاف، مشيرا إلى الأقمار الصناعية الصغيرة مكعبة الشكل، “هذا القمر الصناعي يختبر أجهزة الجيروسكوب لحفظ التوازن والاتجاه. وسيستخدمون قمرا صناعيا لتتبع حركة كرة عندما تنعدم الجاذبية”.

وكانت مجموعة أخرى من العلماء ملتفة حول صندوق معدني لاختبار مدى تأثير انعدام الجاذبية على اشتعال اللهب داخل حجرة الاحتراق. وتتضمن تجربة أخرى اختبار مضخة حرارية قبل إطلاقها إلى محطة الفضاء الدولية.

وقادني ميلفيل إلى مجموعة أخرى كانت تختبر مبدأ التكافؤ الضعيف لأينشتاين، الذي ينص على أن الجاذبية تتسبب في سقوط الأجسام بنفس السرعة، بغض النظر عن تركيبها وخصائصها.

أما العلماء الذي يضعون أذرعهم في صناديق مفتوحة، وكأن لهم ثلاث أياد، فكانوا يؤدون تجارب تعرف باسم “خدعة اليد المطاطية”، فإذا وضعت يدا مطاطية إلى جانب يدك الحقيقية، وقام شخص ما بتمرير فرشاة الرسم عليها وعلى يدك الحقيقية عدة مرات، سينخدع الدماغ ويتوهم أن اليد الزائفة جزء من الجسم.

ويبحث هؤلاء العلماء مدى تأثير انعدام الجاذبية على الخداع العقلي وما يصاحبه من مشاعر.

ويقول ميلفيل: “تستغرق المناورة التي تتخذ فيها الطائرة مسارا منحنيا دقيقة واحدة، وتشعر فيها بانعدام الوزن لمدة 20 ثانية فقط. وتتكرر المناورة 31 مرة طوال الرحلة، إذ يقوم الطيار بمناورة واحدة كل ثلاث دقائق، بحيث يكون مجموع الدقائق التي تقترب فيها الجاذبية من الصفر عشر دقائق وبضع ثوان”.

ولم يكن مستغربا أن يحصل الركاب على أدوية لأعراض دوار الحركة قبل الإقلاع. ورغم ذلك، لم يتحمل الكثير من العلماء الأقل حظا صعود وهبوط الطائرة الحاد عدة مرات.

وبينما تأقلم بعضهم مع التجربة بعد بضعة منحنيات، فإن البعض الآخر كان في حالة يُرثى لها من أول مناورة، وأصيب بغثيان شديد لساعات عديدة حتى عاد إلى الأرض. أضف إلى ذلك أن الطائرة بلا مراحيض. لكن الدواء، كما سمعت، يجعلك تشعر بالجفاف.

ويقول ميلفيل: “إن القلق هو المسبب الرئيسي لدوار الحركة، فإذا هدأت من روعك ستكون على ما يرام”.

  Zero-G04
يختبر العلماء تأثير انعدام الجاذبية على تجربة “اليد الوهمية المطاطية”

لكن أغلب الركاب يقولون إن أصعب مرحلة في الرحلة هي الشعور بانخفاض قوة الجاذبية إلى النصف لتصل إلى المعدل الطبيعي في نهاية الرحلة. ولا يعاني إلا نحو اثنين فقط في كل رحلة من الغثيان والتقيؤ.

ولا يجد أغلب العلماء صعوبة في التأقلم مع ظروف العمل الاستثنائية في هذه الطائرة. ويربطون الدمى بخيوط على الأجهزة التي يستخدمونها في إجراء تجاربهم أو بالقرب منها لتطفو عند انعدام الوزن.

وتساعد الأحزمة التي تُربط حول الأرجل والأقدام على الأرض في التحكم في الحركة في الوضع الرأسي أثناء المناورة لمنع الاندفاع إلى الأعلى. ويقول ميلفيل: “لا نريد أن يسقط العلماء على الأجهزة عندما يعود تأثير الجاذبية”.

وفي إطار تجربة لاختبار أداء الدماغ وربطه بسرعة تدفق الدم، يرتدي تيمو كلاين، من الجامعة الألمانية للرياضة البدنية وجامعة سانشاين كوست في أستراليا، غطاء رأس مزود بأقطاب كهربائية. ويعمل غطاء الرأس على قياس نشاط الدماغ، بينما يتفاعل كلاين مع إشارات سمعية، وينقر على لوحة المفاتيح، ويحل معادلات رياضية عندما تقترب الجاذبية من الصفر.

يقول كلاين: “قد تؤثر عزلة رواد الفضاء لفترة طويلة على أدائهم المعرفي. وفي الوقت نفسه، اتضح أيضا أن اقتراب الجاذبية من الصفر قد يزيد من الأداء المعرفي. ونحن نريد أن نعرف الأسباب وراء ذلك. كما يزيد تدفق الدم إلى الدماغ عندما تقترب الجاذبية من صفر. ولهذا، نبحث في الصلة ما بين انعدام الجاذبية والأداء المعرفي.”

وهذه التجارب لن تساعدنا في فهم أداء رواد الفضاء في حالة انعدام الجاذبية فحسب، بل قد تستخدم أيضا في تصميم طرق أفضل لمساعدة مرضى ألزهايمر والخرف.

وعندما أوشكت الرحلة على النهاية، لم يعد بمقدوري الدخول في المنطقة التي كنت أطفو فيها بحرية، إذ أزيلت الشباك، تمهيدا لاختبار المنطاد اللامع الضخم الذي يصنعه فرع منظمة “مارس سوسايتي” الأمريكية غير الربحية في ألمانيا.

  Zero-G05
يُظهر ذيل الطائرة رسما لشخص يطفو في الفضاء

وعندما وصلت الطائرة إلى نقطة انعدام الوزن عند ذروة المنحنى، انطلق المنطاد المطوي من جهاز اسطواني، وانتفخت كتلة ذهبية من القماش المتعرج في الهواء.

وقدمت هذه التجربة معلومات قيّمة للبعثة التي يُيتوقع أن تنطلق مستقبلا على متن هذا المنطاد.

وتقول تانيا ليمان، من “مارس سوسايتي”: “لم نكن نعلم كيف سيعمل المنطاد في ظروف انعدام الجاذبية. وكنا نتوقع أن ينطلق من وعائه وينتفخ على الفور، لكنه في المقابل تأخر لفترة قصيرة قبل أن ينتفخ”.

وسيخضع المنطاد للمزيد من الاختبارات على متن صاروخ في غضون عام أو عامين، ونأمل أن يُطلق يوما ما من مسبار فضائي لإجراء قياسات علمية أثناء سقوطه على سطح المريخ.

ويتطلع كل عالِم على متن الطائرة، من وراء هذه التجارب، إلى تحقيق أهداف أكبر.

ولهذا السبب، يرمز الرسم الظاهر على ذيل الطائرة من الخارج إلى عملية التطور التي قد تصل ذروتها بأن يطفو الإنسان طليقا في الفضاء.

نقلا عن BBC

العدد الرابع عشر – شباط (فبراير) 2018

ffamag-issue14-s

(انقر على الغلاف لتنزيل العدد كاملًا بصيغة PDF)

الحجم 10 ميغابايت

(إن كان لديك مشاكل في تنزيل العدد يمكنك المحاولة من  هنا)

أضف تعليق، رأيك يهمنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s