طرق رفيقة بالبيئة للتخلُّص من ازدحام الأجواء


بقلم : محمد حسام الشالاتي / صحفي و باحث في علوم الطيران

   تُظهِر دراسات هيئات أبحاث الطيران و الفضاء الأوروبية كم تُعاني القارة العجوز من ازدحام حركة الطيران في أجوائها؟! و هذا يعني أن التحكُّم في حركة الطيران بات يُشكّل تحدِّياً حقيقياً للعاملين في أبراج المراقبة بسبب ازدياد عدد الطائرات الصغيرة. و في المقابل تحلم شركات الطيران الكبرى في تحقيق نمو بنسبة تصل إلى 5% سنوياً، بيد أن تحقيق هذا الحلم يبدو صعباً في وقت تراجعت فيه أعداد المسافرين بالطائرات الكبيرة بنسبة 20%. فما هي الأفكار الجديدة التي قد تساعد على حل هذه المشكلة و تُراعي الرفق بالبيئة في الوقت نفسه؟

البداية من تنظيم حركة الطائرات

   في هذا الإطار قام مركز الطيران و الفضاء الألماني في مطار الأبحاث “براونشفايغ” قرب مدينة “فولفسبورغ” الألمانية بإنشاء برج مُراقبة افتراضي جديد بغية التعامل مع حركة الإقلاع و الهبوط لعدد أكبر من الطائرات نتيجة للتنامي المستمر في حركة الطيران، حيث قد تُساعد أجهزة الكومبيوتر في المستقبل على تحديد تسلسل و سرعة الإقلاع و الهبوط. و لكن هذا سيُساعد بقدر محدود فقط على استيعاب النمو المُتزايد في حركة الطيران التي قد تتضاعف خلال العشرين سنة القادمة، ناهيك عن المُعضلة الناجمة عن القاعدة الاقتصادية الهامة لدى شركات النقل الجوي التي توصي بأنه لكي تكون الطائرة أكثر اقتصادية، يجب أن تطير بسرعة أكبر نسبياً و أن تقوم بأكبر قدر من الرحلات خلال اليوم الواحد. و هذا كله يُحتِّم إيجاد مفاهيم دولية جديدة فعلاً؟!

هل تكمن الأهمية في الكَمْ أم في النوع؟

   في الواقع، تبلغ نسبة المقاعد الفارغة في رحلات الطيران الأوروبية 20%، و في ذات الوقت نجد أن السماء مليئة بالطائرات الصغيرة. و من خلال نظرة على حركة الطيران في ألمانيا مثلاً، نجد أن 30% فقط من الحركة الجوية تشغلها الطائرات الكبيرة مثل “أيرباص أ-340″، أما الجزء الأكبر من الحركة في المطارات الألمانية فيعود إلى طائرات المسافات المتوسطة مثل “أيرباص أ-320” و “بوينغ-737”. وقد ظهرت أفكار جديدة لإعادة تنظيم حركة الطيران و التخلُّص من الازدحام في الأجواء، و كذلك للتخلُّص من الضجيج الذي يُعتبر من الآثار الجانبية السلبية في هذا المجال.

مفاهيم جديدة لتخفيف ازدحام الأجواء

   ففي مجال تخفيف ازدحام حركة الملاحة الجوية، قد يُشكِّل تجميع الركاب في الرحلات بين القارات على متن طائرات ضخمة تتسع لـ 500 راكب أو أكثر حلاً، لأن تلك الطائرات لا تحتاج للطيران كثيراً عندما تكون مقاعدها مليئة. و الطائرات العملاقة مثل “أيرباص أ-380” تبدو مثالية لهذا الأمر. و لكن الأفضل منها هي طائرة المستقبل التي أُطلِق عليها اسم “الجناح الطائر” (“Flying Wing”)، و التي يطوِّرها باحثو “معهد هامبورغ لأنظمة الطيران” في ألمانيا، و فيها تمَّ الاستغناء عن شكل الطائرة التقليدية و استبداله بجناح ضخم يتّسع لـ 1500 راكب في طابقين، بحيث يمكن طيِّ طرفي الجناح بعد الهبوط بما يتناسب مع المساحة المتوفرة في المطار. فالتخلّي عن الأسطح الإضافية و الأجنحة الجانبية المُزوَّدة بها الطائرات التقليدية الموجودة حالياً سيُساهم في تخفيض نسبة الضغط الهوائي المُعاكِس، و سينعكس ذلك أيضاً على سرعة الطائرة و على نسبة استهلاك الوقود. أما إذا أردنا التعامل مع الوضع الراهن، فمن المُمكن تنظيم تجميع الركاب حتى مع الطائرات الموجودة حالياً، و لكن ذلك يقتضي أن تتخلَّى شركات الطيران عن التنوُّع الكبير في طائرات أساطيلها، و الفكرة الرئيسية هي تشغيل أسطول طائرات مُشترك في أوروبا. في المُقابل نجد أن لدى “شركة أيرباص الأوروبية لتصنيع الطائرات” تصوُّر يتلخَّص في أن تُشرِف شركات الطيران الإقليمية فقط على تنظيم تجميع الركاب عبر نقلهم بطائرات متوسطة الحجم من المطارات الإقليمية إلى المطارات الكبيرة، و من ثمَّ تقوم شركة طيران أوروبية مُشتركة بنقلهم إلى الوجهات المطلوبة البعيدة بوساطة طائرات ضخمة. بيد أن تلك الحلول تشترط إلى جانب تطوير الطائرات وجود بنية تحتية مُتطوِّرة في مطارات الوجهات التي ستُسافر إليها تلك الطائرات الضخمة.

حلول تُراعي الرِّفق بالبيئة

   أما في مجال إنتاج طائرات رفيقة بالبيئة، فنجد أن الطائرات الموجودة حالياً و الأخرى التي ستدخل سوق النقل الجوي في المستقبل، مثل “أيرباص أ-320 الجديدة” و “بوينغ-دريم لاينر” سوف تتمتَّع بمستوى تقني كبير، الأمر الذي مكَّن المُطوِّرين للوصول إلى تحسينات في تفاصيل صغيرة و كثيرة قد تؤدي إلى تحسين رفق الطائرات بالبيئة، مثل المحرك الذي يعمل على تنظيم عملية استهلاك الوقود و كيفية احتراقه بحيث تكون كمية الوقود قليلة و بالتالي تخفيض الانبعاثات الضَّارة. و يمكن استخدام هذه التقنية بنجاح في طائرات مسافات الشحن الجوي القصيرة و الطويلة على حد سواء، فضلاً عن توافر فرص كبيرة لجعل الشحن الجوي أكثر رفقاً بالبيئة و ذلك عبر عملية التشغيل، إذ أنه توجد لمراحل التشغيل طاقات كبيرة و أناقة رفيعة و جذَّابة. 

   إذا أمعنَّا النظر في تكوين الطائرات المستقبلية التي ستتسع لأكثر من 1000 مسافر و خصائصها، نجد أن تلك الطائرات ستكون مُجدية لرحلات المسافات الطويلة فقط. و إذا تمَّ استخدام تقنيات تلك الطائرات، مثل تقنية المحرك و التقنيات الديناميكية و الهيدروليكية و التركيب الخفيف في الطائرات الأصغر استيعاباً للركاب فسيكون ذلك مُجدياً لرحلات المسافات القصيرة أيضاً، و ذلك على الرغم من أنها ستواجه منافسة قوية من القطارات ذوات السرعات الفائقة الموجودة أصلاً في أوروبا و الصين و الولايات المتحدة. 


عنوان الكاتب : husam-sh@scs-net.org

المراجع:

  • موقع “المركز الألماني للملاحة الجوية و الفضائية” على شبكة الإنترنت.
  • موقع “وكالة الفضاء الأوروبية” على شبكة الإنترنت.
  • مقالات متنوِّعة على شبكة الإنترنت.

أضف تعليق، رأيك يهمنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s