الطائرات بدون طيار في زمن الكورونا

بقلم م. محمد بن سطا

يشهد العالم منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2019 تفشي سلالة جديدة من الفيروسات التاجية المعروف بفيروس كورونا المستجد أو فيروس SARS-CoV2 والمتسبب في جائحة COVID-19. ظهر المرض لأول مرة في مدينة ووخان من مقاطعة خوباي وسط الصين وسرعان ما انتشر في جميع أنحاء العالم اذ تشير ارقام منظمة الصحة العالمية إلى اصابة ما يزيد عن مليون و400 ألف شخص ووفاة قرابة 75 ألف شخص إلى حدود اوائل نيسان/أبريل 2020 موزعة على 183 دولة. كما اصاب الفيروس الاقتصاد العالمي بشلل يكاد يكون كليًا سجلت على إثره معظم الاسواق والبورصات العالمية خسائر فادحة الى جانب انخفاض حاد في سعر برميل النفط الخام الذي بلغ أدنى مستوياته خلال القرن الواحد والعشرين.

ولئن لم ترتقي الوضعية الصحية في بادئ الأمر الى درجة حرجة على الصعيد العالمي وانحصر الفيروس في جنوب شرقي آسيا خاصة الصين وكوريا الجنوبية واليابان إلا أن الأسابيع القليلة الماضية شهدت انتشارًا واسعًا للفيروس في أوروبا وامريكا الشمالية قامت على إثره منظمة الصحة العالمية يوم 11 آذار/مارس 2020 بإعلان حالة وباء عالمية أو ما يعرف بجائحة (Global Pandemic). تتمثل البؤر الجديدة لتفشي فيروس كورونا المستجد في الولايات المتّحدة الأمريكية وإيطاليا واسبانيا التي تخطت الصين من حيث عدد المصابين أين شهدت وتيرة تفشي المرض انخفاضا كبيرًا منذ منصف شهر آذار/مارس 2020 وأعلنت السلطات عن سيطرتها على المرض وقامت تدريجيًا برفع اجراءات الحجر الصحي العام لتعود الحياة تدريجيًا إلى سالف عهدها يوم 08 نيسان/أبريل ويتم رفع الحجر على مدينة خووباي.

وفي إطار إدارة الأزمة، لعبت التكنولوجيات الحديثة دورًا أساسيًا في مجابهة تفشي الفيروس حيث يساهم، ولو في مراحله الأولية، استخدام الروبوتات وبرمجيات تحديد الهوية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية والكاميرات الحرارية الذكية وخاصة الطائرات بدون طيار دورا مهما في تفادي انتشار أوسع وخسائر بشرية أكثر. وفيما يلي أهم المجالات التي شكل فيها استخدام الطائرات بدون طيار قيمة مضافة هامة.

نقل العينات الطبية

ولئن يتم استخدام الطائرات بدون طيار في عمليات نقل الامدادات الطبية في الصين منذ بضع سنوات خاصة إلى المناطق الريفية النائية التي يصعب الوصول إليها عن طريق البر، الا أن تفشي فيروس كورونا المستجد جعل السلطات الصينية بالتعاون مع بعض الشركات الخاصة تقوم باستخدام الطائرات بدون طيار في نقل العينات الطبية من المناطق الأكثر تأثرا بالفيروس الى وحدات التحليل المختصة. ساهمت هذه العملية في التقليل بشكل كبير من الاتصال البشري المباشر والغير الضروري بين الإطارات الطبية والمرضى وتسريع عمليات النقل وبالتالي التسريع في عملية التحليل والكشف المبكر عن المصابين.

عمليات نقل العينات الطبية من طرف شركة Antwork Robotics في مقاطعة Zhejiang (المصدر: Antwork Robotics)

وفي هذا الإطار، قامت شركة Antwork Robotics، وهي الشركة الصينية الأولى المتحصلة على تصريح من إدارة الطيران المدني الصينية لإسداء خدمات التوصيل باستخدام الطائرات بدون طيار، بوضع وسائلها الجوية تحت تصرف السلطات حيث قامت منذ أوائل شهر فيفري بنقل عينات طبية ومستلزمات طبية أخرى بين مستشفى الشعب والمركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها بمحافظة Xinchang بمقاطعة Zhejiang في رحلات تستغرق ست دقائق عوضا عما يفوق 20 دقيقة برا. قامت الشركة بتنفيذ ما يزيد عن 300 رحلة مخصصة لنقل عينات طبية وتطلبت هذه العمليات تنسيقا وثيقا مع جملة من المتداخلين بما في ذلك السلطات الطبية بمقاطعة Zhejiang وإدارة الطيران المدني الصينية فيما يخص اتخاذ التدابير اللازمة لضمان قواعد السلامة.

عمليات نقل العينات الطبية من طرف شركة Zipline في رواندا (المصدر: Zipline)

وتجدر الإشارة أن العديد من الدول لجئت الى استخدام الطائرات بدون طيار في نقل العينات والمستلزمات الطبية حيث تقوم شركة Zipline التي تنشط في مجال نقل المعدات الطبية في رواندا وغانا (قرابة 35 ألف عملية نقل جوي منذ 2014) بالإشراف على العديد من مخازن القفازات الطبية والأقنعة الواقية وإيصالها إلى المستشفيات في غضون دقائق معدودة في غانا. كما تقوم الشركة بالتحضير لنقل اسداء خدماتها في الولايات المتحدة الأمريكية والمساهمة في مقاومة تفشي فيروس كورونا المستجد حالما تتحصل على التصاريح اللازمة من إدارة الطيران الفيدرالي الامريكية.

التعقيم والتطهير الجوي

يعتبر رش المبيدات الحشرية والأدوية إضافة إلى مراقبة المحاصيل ودراسة التربة وتقييم حالة المزروعات من الاستخدامات الشائعة للطائرات بدون طيار في المجال الفلاحي في العديد من الدول عبر العالم لكن انتشار فيروس كورونا المستجد ساهم في بروز وظائف جديدة تتمثل في التطهير الجوي ورش المعقمات. وفي هذا الإطار، قامت السلطات الصينية بالشراكة مع شركات رائدة في هذا المجال كشركة DJI Agriculture وشركة XAG Technology بإدخال تحويرات على الطائرات الفلاحية لاستخدامها في تعقيم الساحات والأماكن العامة والمجمعات السكنية في عديد المدن الصينية.

أثبتت هذه العمليات فاعليتها حيث قامت شركة DJI Agriculture بتوظيف تجربتها في مقاومة الملاريا في افريقيا من خلال تسخير سلسلة طائراتها من نوع Agras للغرض وتمكنت من تغطية ما يفوق عن 600 مليون متر مربع في كافة ارجاء البلاد الى حدود منصف شهر مارس 2020 منها 3 ملايين متر مربع في مدينة Shenzhen فقط. تتميز هذه العملية بالسرعة مقارنة بعمليات التعقيم التقليدية اذ أن طائرة واحدة بسعة 16 لتر قادرة على تغطية 100 ألف متر مربع في الساعة إضافة الى تقليل خطر العدوى للعملة الميدانيين مع ضمان درجة عالية من الدقة. وفي نفس السياق، قامت شركة XAG Technology بتسخير 2600 طائرة بدون طيار موزعة على 20 مقاطعة صينية للمشاركة في عمليات التعقيم الجوي وفي احدى العمليات تمكنت من تطهير مجمع سكني مساحته أكثر من 300 ألف متر مربع في مقاطعة Shandong الصينية في عملية استغرقت بأكملها أقل من 4 ساعات. كما أعلنت الشركة نفسها في مطلع شهر فيفري عن بعث مبادرة ورصد صندوق بقيمة مليار دولار لمساندة المجهود الوطني في مكافحة تفشي المرض من خلال توفير الدعم التقني وتأمين عمليات الصيانة المجانية للمتطوعين الراغبين في المشاركة باستخدام طائراتهم الخاصة.

عمليات تطهير مجمع سكني من طرف شركة XAG Technology في مقاطعة Shandong (المصدر: XAG Technology)

أما على المستوى الأوروبي، قام الجيش في اسبانيا، ثاني الدول تضررا من الفيروس على الصعيد العالمي، بإدخال تعديلات على طائرات بدون طيار زراعية من نوع DJI Agris واستخدامها في عمليات التطهير الجوي و تم تنظيم هذه العملية بالتنسيق بين وحدة الطوارئ العسكرية الاسبانية والوكيل المحلي لشركة DJI.

عمليات تطهير من طرف الجيش الاسباني باستخدام طائرات بدون طيار من نوع DJI Agris (المصدر: Handout)

فرض ومراقبة التدابير الصحية

يختص فيروس كورونا المستجد بدرجة عالية من العدوى وبقدرة على البقاء حيا على الاسطح قد تبلغ عدة أيام باختلاف الظروف (مثل نوع السطح ودرجة الحرارة أو الرطوبة البيئية) وباعتبار أن البحوث العلمية والتجارب المخبرية، على نسقها العالي وأهميتها، التي تهدف لإيجاد أدوية مضادة أو تلقيح قد تستغرق أشهرا عدة قبل أن تفضي إلى نتائج يمكن تطبيقها على أرض الواقع، تظل سياسة التباعد الاجتماعي السياسة الأولى المنصوح بها من منظمة الصحة العالمية إلى جانب تدابير الحماية الشخصية. قامت العديد من الدول في هذا السياق باتخاذ العديد من الاجراءات تراوحت بين فرض ارتداء الأقنعة الواقية وحظر التجمعات العامة إلى فرض حجر صحي صارم على مدن بأكملها واجبار مئات الملايين على ملازمة منازلهم وتعطيل الدروس بالمؤسسات التربوية على حد سواء إضافة تعليق العمل بالقطاعات الغير حيوية للحد من تنقل المواطنين والاتصال الجسدي المباشر وبالتالي تخفيض نسق العدوى.

وسعيا لفرض ومراقبة التدابير الصحية، تلجأ العديد من الدول الى استخدام الطائرات بدون طيار لمراقبة الأماكن العامة والتأكد من مدى احترام الإجراءات المتخذة. بدأ استخدام الطائرات بدون طيار في هذا السياق في الصين أوائل شهر شباط/فبراير 2020 اذ تم تداول العديد من مقاطع الفيديو تبين استخدام السلطات الصينية للطائرات بدون طيار للتحدث إلى المواطنين وتذكيرهم بوجوب ارتداء الأقنعة وتجنب المكوث بالأماكن العامة والعودة الى منازلهم. ولذات الغرض، تقوم الوحدات الأمنية في العديد من المدن العالمية كمدينة مدريد ومدينة نيس ومدينة كوالالمبور ومدينة دبي بالاعتماد على الطائرات بدون طيار لبث العديد من الرسائل حول أهمية التباعد الاجتماعي وإجراءات الوقاية اذ أنه نظرًا للطبيعة غير المسبوقة للأزمة الصحية يعد بث مثل هاته الرسائل أمرًا أساسيًا لمساعدة السكان على البقاء على اطلاع دائم من جهة والتخفيف ببساطة من خطر تعرض أفراد الشرطة والأطر الطبية العاملة على الميدان للعدوى.

الشرطة الماليزية تستخدم طائرات بدون طيار لفض التجمعات في كوالالمبور (المصدر: Reuters)

لم يختصر استخدام الطائرات بدون طيار في الصين على بث الرسائل فحسب بل تم استخدامها لجمع المعطيات الطبية للمواطنين وتحليلها سواء عبر قياس درجات الحرارة باعتماد كاميرات حرارية بغاية كشف حاملي الفيروس أو بمراقبة الطرقات وتسجيل تحركات السيارات. وفي هذا الإطار، قامت السلطات في مدينة Shenzhen بمقاطعة Guangdong الصينية والمسماة بـ Silicon Valley الشرق بنشر طائرات بدون طيار في المداخل الرئيسية للمدينة حاملة للافتات تحوي على رمز الاستجابة السريعة أو ما يعرف بـ QR Code وهنا ما على كل سائق سيارة الا أن يقوم بمسح الرمز فيتم تحميل معطياته الصحية التي تم تخزينها بتطبيق معد للغرض. ولئن أسالت هذه وسيلة الحبر في علاقة باحترام المعطيات الشخصية إلا أنها أثبتت فاعليتها من خلال تطوير نموذج يقوم بتوقع نسق ووتيرة تفشني الفيروس والأماكن التي يمكن أن تكون عرضة للعدوى والحد منها.

طائرات بدون طيار تحمل رمز الاستجابة السريعة في مداخل مدينة Shenzhen (المصدر: XinHua)

فيروس كورونا المستجد: أما بعد؟

بات من البديهي أن تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم قد غير من نظرة الانسان إلى الحياة في علاقة بطرق العمل وأساليب التحية ووسائل التنقل وصارت الأخبار المتعلقة به من العادات اليومية التي تحظى بمتابعة واهتمام الملايين من البشر. ومع استمرار العالم في معالجة هذه الأزمة، بات من الضروري إذا إعادة النظر في وسائل الحماية والرعاية الصحية على جميع الأصعدة من الكشف المبكر والوقاية إلى العلاج. تتمثل المرحلة الأولى في عملية إعادة النظر واستخلاص الدروس في الوقوف على تجارب بعض الدول ونجاحها في التخفيف نسبيا من حدة الأزمة وخاصة الصين وكوريا الجنوبية إلى جانب فشل البعض الآخر وفداحة الخسائر التي تتكبدها خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وإيطاليا.

ولعل نجاح بعض الدول في توظيف الطائرات بدون طيار في منظومة مكافحة الفيروس ومعاضدة الجهود العامة ينضاف إلى سجل النجاحات التي حققتها سابقا ويؤكد مرة أخرى على القدرات الهائلة التي تتمتع بها هذه التقنيات الصغيرة والقيمة المضافة التي يمكن أن توفرها في العديد من المجالات. ولئن لا تزال هذه العمليات تدار حاليا على أساس استثنائي في أغلب الدول في علاقة بإسناد التراخيص من طرف هيئات الطيران المدني، إلا أنه وجب التفكير في تقنين هذه العمليات وضبط إطار واضح للعمل يتضمن لوائح دقيقة في علاقة بمراقبة الحركة الجوية وسلامة الطيران المدني وكيفية التنسيق بين الهيئات الحكومية والشركات المختصة خاصة أن النقل الحضري الجوي بات في الأفق.

أضف تعليق، رأيك يهمنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s