تخفيض النفقات … خيار شركات الطيران لمواجهة كورونا

بقلم : م. فارس الجواري
باحث واستشاري طيران

توقف شركات الطيران بسبب جائحة كورونا جعلها تدفع الثمن غاليا بسبب الخسائر التي تكبدتها نتيجة هذه الازمة، مما وضعها في مواجهة مباشرة لوقف نزيف الخسائر من خلال سلسلة اجراءات الواجب على الشركات أتخاذها أضافة الى المساعدات المالية السريعة التي من المفترض توفيرها من قبل حكوماتها ( كأجراء أولي ) تأتي بعدها تلك الخطوات أجرائية والتي من أبرزها   ” التخفيض المبرمج للنفقات ” على أساس علمي ومدروس لتحقيق هدف التخفيض في تجاوز هذه الشركات الازمة .

 في ظل هذه الظروف القاهرة دعت الكثير من المنظمات الدولية المعنية بالطيران الى اعتماد إجراءات سريعة هدفها تخفيف حجم الخسائر المترتبة على هذه الشركات من خلال المساعدات المالية ومنح الإعفاءات الضريبية والإعفاءات من رسوم المطارات لتجنب سيناريو عدم تمكن شركات الطيران من اعادة خدماتها للمسافرين كما ينبغي  عند الانتهاء من وباء فيروس كورونا وعودة النقل العالمي إلى طبيعته , لكنها في حقيقة الامر غير كافية وتعتبر ” أجراءات مؤقتة ” لاتسهم في معالجة احتمالية تعرض  800 ألف وظيفة للفقدان وفق معطيات نشرها الاتحاد الدولي للنقل الجوي “الاياتا” في موقع تويتر .

إذن، التحدي الذي تُواجِهُه هذه الشركات يكمُن في كيفيّة البقاء والاستمرارية في السوق لضمان عودتها مستقبلا , حيث يوجد هناك عدة خيارات لتحقيق ذلك أهمها تقليل التكاليف وتحسين الخدمات بعد العودة.  فنهج التكاليف المنخفضة  ( وهو مايهمنا في هذه المقالة ) يعني أمكانية العبور من حافة الانهيار والافلاس للشركة من خلال وضع خطة تهدف الى مراجعة بنود النفقات التي يمكن التحكم فيها خلال التخفيض وبمشاركة الجميع لتجاوز هذه الازمة باقل الخسائر. هذه الخطة تتضمن  برنامج لمجموعة حلول ناجعة لها القدرة على تنفيذها فعليا بعيدأ عن النظريات الاكاديمية تبدأ بـ ” خفض المصروفات التقديرية ” التي تشمل العديد من ابواب الصرف المالي التكميلي ومنها على سبيل المثال تأجيل المشروعات التي لاتكون مرتبطة بشكل مباشر بخطط التسويق الضرورية للشركة وايقاف بناء مباني اضافية والاستفادة من الاماكن الفارغة في مواقع الشركة المختلفة للاستثماراوالايجار، وجدولة الدفعات المالية المستحقة وتأجيل البعض منها  بالاضافة الى ألغاء الدورات التدريبية الخارجية الغير ضرورية مع ايجاد بديل محلي لأقامة هذه الدورات  يضاف الى كل ذلك ضرورة التعامل مع قرارات الشراء الجديدة بحرص أكبر لتفادي التبذير الغير مبرر وخصوصا موضوع شراء المعدات التي تاتي تحت بند الاستيراد والتي ليس لها حاجة ماسة لشراءها شريطة عدم المساس بنوعية الخدمات المقدمة  للمسافرين والتحول الى ايجاد بدائل عن الشراء (كالتأجير) للمعدات التي تسهم في ديمومة عمل الشركة مع تشجيع الكوادر الفنية بأجراء عمليات صيانة وتصليح للاجهزة والمعدات المتوقفة عن الخدمة ووفق المعايير المنصوص عليها بكتب الصيانة الخاصة بالشركات المصنعة لها , كما يمكن للشركة أتخاذ أجراءات لبيع المعدات والاجهزة وحتى الطائرات الواقفة بدون تشغيل مستمر كونها أصبحت غير ذات جدوى أقتصادية من خلال مقايضتها بأنواع  تديم عمل الشركة .

أما فيما يخص الموارد البشرية العاملة في الشركة فيجب التعامل مع هذا الموضوع بحذر شديد خلال عمليات تقليص النفقات وتكون البداية من خلال خفض الامتيازات والمنافع الوظيفية الممنوحة لفئة معينة من كبارالموظفين وتأتي بعدها أجراءات حذرة لتخفيض الرواتب للجميع لضمان عدم تهديد ديمومة عمل الشركة , ويفضل أن تكون أجراءات التخفيض على شكل ” نسب مئوية تصاعدية”  بمعنى نسبة التخفيض العالية للرواتب والمعاشات العالية ونسب التخفيض القليلة للرواتب الواطئة , كمثال على ذلك ان تكون نسبة التخفيض  30 %  للرواتب التي تزيد عن االألف دولار وبنسبة 15%  للرواتب التي هي أقل من ألف دولار وهكذا ولقترة محددة يقابلها تخفيض في ساعات العمل المقررة سابقاً. أما بخصوص العمالة الزائدة من الموظفين غير منتجين فلا خيار للادارة سوى الاستغناء عنهم لتوفير النفقات , حيث يتم تسريح العاملين والموظفين اصحاب السجلات الوظيفية السيئة الذين تسببوا في مشاكل لعمل الشركة أو الذين لاتوجد لديهم أنتاجية واضحة بحيث لايبقى سوى الكفاءات وأصحاب الخبرات الجيدة .

يبقى التهديد الابرز الذي تواجه الشركات في ظل هذه الازمات الاقتصادية هو أنخفاض المبيعات  ومن غير المعقول أن تلجأ  الشركات الى مزيد من النفقات لمعالجة هذه المشكلة ولكن تبقى ميزانية التسويق من أهم ابواب الصرف للشركات حتى في هذه الازمات بشرط وضع خطة دعائية تعتمد التقشف في صرفيات هذا الباب وعدم ألغائه من خلال وسائل الدعاية المتوسطة الكلفة وتقليل صرفيات الطباعة الورقية وغيرها من المصروفات التي يمكن استبدالها باستخدام الوسائل الالكترونية بدلا عنها مثل أستخدام التذاكر الالكترونية التي باتت من الحاجات الملحة لمختلف شركات الطيران والمطارات في العالم لما توفره من مزايا عديدة أهمها تقليل التكلفة.

يعتبر نظام الكلف المالية عنصرا أساسيا في أي إستراتيجية ناجحة لاي شركة طيران سواء شركة نقل جوي او شركة صيانة او اي شركة تعمل في مجال الصناعات الجوية , أذن من خلال التقليل من الإنفاق بدراسة التكاليف الهيكلية المتوارثة مثل تركيبة الأسطول الجوي وشبكة الخطوط وتكاليف الأنظمة المتمثلة في تصميم الأعمال التجارية والنفقات العامة والتكاليف الخارجية مثل تقديم الطعام والوقود وغيرها من الخدمات التي يوفرها المطار سيسهم بشكل مباشر وغير في ديمومة وأستمرارية عمل تلك الشركات خاصة هذه الايام في ظل تصاعد إجراءات الحظر وتقييد حركة الطائرات مما جعلها تتأثر سلبا بهذه الأزمة , وقد يكون المخرج من هذا المأزق هو”  تخفيض النفقات  ”  موضوع حديثنا , وليس هذا فقط وأنما هناك اجراءات أخرى يمكن التطرق لها في مقالات  لاحقة , ولكن نأمل أن تتحمل الشركات هذه الخسائر الكبيرة في أزمة مثل أزمة كورونا التي أنهكت اقتصاديات دول عظمى .

فارس الجواري
باحث واستشاري طيران

أضف تعليق، رأيك يهمنا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s